أحمد بن يحيى العمري

397

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الشيخ في البركة ، فقمت أنا ووالدي رحمه الله تعالى ، وركبنا لنراه ، فلحق بنا الداوداري ، وقال : متى رحتم إليه ما يعجب السلطان ، وذكره بأمور لا أحب ذكرها ، ولم يزل حتى عدنا ، ثم لم يقدر لي به اجتماع حتى مات في شعبان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ، إلا أنه ومنذ قدم مصر وإلى أن مات لم تزل كتبه إليّ متواصلة ، وحوائجه لديّ مقضية . قلت : ولقد يحكى عنه من الغرائب ما لم نسمع مثله عن أحد من أهل زمانه ، ولا ممن تقدمهم بزمان سالف . وكان الناس إذا قصدوه تشهّوا في نفوسهم أنواع المآكل والمشارب ، فإذا أتوه أتاهم به . على أنه في منقطع رمل ، وقرية صغيرة لا يوجد فيها مثل تلك الأنواع ! ، والشائع الذائع عند عامة أهل مصر أنه كان يأتيه الجماعة ، وكل واحد قد يشتهي شيئا ، واقترح ما لا يوجد مثله إلا أن يكون في القاهرة ، أو دمشق ، فإذا حضروا عنده ، وسلموا عليه ، غاب عنهم هنيهة ، ثم حضر وأحضر لكل واحد منهم ما اقترح ، ويقولون : إن أكثر ما كان يحضره للناس في كمه ، أو هو حامل له بيده ، من غير خدام له ، ولا من يستعين بهم ، حتى زعموا أنه كان يحضر من أنواع الأطبخة عدة الألوان ، وليس عنده من يطبخ له ، ولا يعرف له قدرة ولا معرفة ، ولا زبدية ، ولا موقد نار ، مع اشتغاله طول نهاره وليله بالناس ، ويزعمون أن هذا المدد ما هو في وقت دون وقت ، بل إنه يأتي في اليوم الواحد بعدّة من الألوان لا يعرف من أين أتى بها ، ولا من طبخها ! . إلى غير ذلك مما يحكون عنه من هذا ومثله ، مما أظن أكثره من باب الخراف في القول . وحكى لي صاحبنا القاضي شمس الدين القيسراني كاتب الإنشاء ، وكان قد توجّه قصدا لزيارته ، قال : كنت قد أكلت في الطريق قبل إشرافي على بلده بقليل ، فاشتهيت أقسما سكرية « 1 » مبردة ، فحال ما وصلت ، وسلمت عليه ، غاب عني هنيهة ، وأتى معه أقسما

--> ( 1 ) الأقسما : بفتح الهمزة وسكون القاف وكسر السين ، وميم بعدها ألف : نقيع الزبيب ، معروف بهذا الاسم ، قال المحبي : وأظنه معرّبا : " آبسما " - وفي الفارسية " آب سياه " أو " آب سيه " يطلق على النبيذ الأسود ، وآب بمعنى ماء ، وسياه بمعنى أسود ، أو سكران ، وقيل : معرف : " أو كسوملي " في اليونانية ، وهو اسم مزيج من الخل والليمون . انظر : قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل " للمحبي " 1 / 202 .